الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
56
نفحات القرآن
نقد وتحليل : حول هذه الروايات نلفت نظركم إلى عدّة نقاط لابدّ منها : 1 - توجد لدينا في الشريعة الإسلامية مجموعة أصول بديهية لا يجوز تخطيها ، من جملتها « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » الذي لا سبيل للشك بوجوبه أبداً ومن حيث بداهته وكونه من الأصول المسلَّم بها ، وما أكثر الآيات والروايات التي أكدت عليه . لنفرض أننا نعيش في محيط قد ضاعت فيه الأحكام الإلهيّة ، وعمّ التجاهر بالمنكرات ، وأودع المعروف في زاوية النسيان ، وأحاط الظلم والفساد في كل مكان ، وكان باستطاعتنا تغيير الوضع الفاسد بثورة قوية ضد النظام الحاكم ونشر المعروف بدل كل تلك المنكرات على نطاق واسع ، فهل يدّعي أحد حُرمة هذا العمل في مثل هذه الظروف ، وأنّه ينبغي التفرج على هذه الأوضاع الفاسدة التي تصادر فيها الأحكام الإلهيّة ، ويخرج بواسطتها الشباب المسلم عن الدين ؟ ! قد يدّعي المتذرعون عدم حدوث مثل هذا الأمر ، لنفترض أنّه يمكن حدوثه ، إذ ليس هذا الفرض محالًا عقلياً ، فهل يقولون ثانية بضرورة الامتناع عن كل تحرك والتسليم أمام الانتشار السريع للفساد والظلم ومصادرة الأحكام الإسلامية ؟ ! لا أظن أنّ عالماً ومحققاً يتفوه بمثل هذا الكلام ! من الشواهد على هذا الكلام محمد بن عبداللَّه من أحفاد الإمام المجتبى عليه السلام المعروف ب « النفس الزكية » ، حيث نقرأ عنه : « حينما بايعه عدد من الوجهاء باعتباره المهدي عليه السلام ، وبلغ الإمام الصادق عليه السلام ذلك الخبر بل وحتى طلبوا منه عليه السلام أن يبايعه ! قال عليه السلام : دعوا هذا الأمر ، فإنّه لم يحن الوقت بعد ( وسيكون ظهور المهدي في المستقبل ) ، فلو أنّك ( عبداللَّه أبو محمد ) تعتبر ابنك هو المهدي الموعود ، وأنّه ليس بالمهدي ، ولم يحن وقت ذلك بعد ، ولو أردت اجباره على الخروج في سبيل اللَّه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فواللَّه لن ندعه لوحده ، وسنبايعه ! » .